مرحبا بك من جديد يا زائر ونتمنى لك قضاء وقت مفيد وممتع معنا
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ليبرمان يقود من الحبشة “حرب المياه” ضدَّ مصر!

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جواد الب
زائر
avatar


مُساهمةموضوع: ليبرمان يقود من الحبشة “حرب المياه” ضدَّ مصر!   الإثنين 12 أكتوبر 2009, 12:46 am

ليبرمان يقود من الحبشة “حرب المياه” ضدَّ مصر!
جواد البشيتي
إسرائيل الحقيقية، أو إسرائيل التي سنراها، مستقبلاً، على حقيقتها
العارية من الأوهام العربية، هي إسرائيل التي لا تعيش، ولا يمكنها أن
تعيش، إلاَّ في الحرب، وبالحرب، على البقية الباقية من مقوِّمات الوجود
القومي للعرب، وعلى ما يسمَّى “الأمن القومي العربي”، بمعناه الشامل،
فغايتها التي لا تعلوها غاية كانت وستبقى الإعداد والتهيئة لقيام ما
يسمَّى “إسرائيل العظمى”، التي علاقتها بالعرب، أو الدول العربية، لا
تختلف، شكلاً ومحتوى، عن علاقة الولايات المتحدة بالدول التي تقع جنوبها؛
أمَّا “السلام”، مع توأمه “التطبيع”، فلا تجنح إسرائيل له، ولا تسعى إليه،
إلاَّ إذا ثَبُت لديها وتأكَّد أنَّه الطريق إلى مزيدٍ من الإضعاف والهدم
للوجود وللأمن القوميين العربيين؛ ولقد أتت التجربة بما يقيم الدليل على
أنَّ السلام، ومشتقاته، هو الطريق الذي كلَّما مضت إسرائيل فيه قُدُما
زادت قوَّة وبأساً، وكلَّما مضى العرب فيه قُدُما زادوا ضعفاً ووهناً.

وإسرائيل الحقيقية الواقعية الفعلية تلك، والتي سنراها مستقبلاً في وضوح أكثر وأشد هي إسرائيل التي تشبه وزير خارجيتها ليبرمان.
من قَبْل، هدَّد مصر، الدولة العربية الأولى التي أقامت السلام مع
إسرائيل، بتدمير سدها العالي؛ أمَّا الآن فهو يزور الدول الإفريقية التي
في أراضيها تقع منابع نهر النيل (ومصر هِبَة النيل) ليزيِّن لها أمْر
قيامها بما من شأنه تقليص حصَّة مصر من مياهه، والتي، أي مصر، ستشتد
حاجتها، مستقبلاً، أي بعد بضع سنوات، إلى مزيد من المياه الحلوة العذبة.

ليبرمان ركَّز اهتمامه في أثيوبيا، التي يقع فيها المنبع الأكبر والأهم
لنهر النيل، والتي لديها من الأسباب الواقعية للإحساس بأنَّها تملك، ويمكن
أن تملك، من “القوَّة” ما يغريها بالاستئساد المائي على مصر، وباحتجاز قسم
كبير من مياه النيل في سدود تعتزم إقامتها بالتعاون مع العدو القومي
الأوَّل للعرب، أي إسرائيل، فمصر، كما تراها مستقبلاً “إسرائيل العظمى”،
التي ليبرمان عين من عيونها، هي التي تَغْرَق في مياه النيل، وفي الظلام،
من خلال تدمير سدها العالي، أو التي يموت بشرها وزرعها عطشاً من خلال
السدود الأثيوبية، وغير الأثيوبية، المحمية بالدرع الإسرائيلية.

إنَّها إسرائيل العطشى إلى المياه الحلوة العذبة، والتي تعطَّشت إلى
حرب 1967 إذ اشتد شعورها بالعطش إلى الماء، فاحتلت جبل الشيخ الذي فيه تقع
منابع نهر الأردن، والضفة الغربية التي بعض مناطقها غني بالمياه الجوفية.

ولقد سعت كثيراً (ولم تتخلَ عن سعيها) إلى حَمْل مصر على تزويدها جزءاً
من مياه النيل؛ ولكنَّها لم تحصل منها (حتى الآن) إلاَّ على الغاز الذي في
حصولها عليه نرى مصلحتها هي في حجم حصَّة الأسد.

حتى السرقة اتَّخذتها إسرائيل وسيلة للحصول على مزيد من المياه الحلوة العذبة، فسرقت، وتسرق، بعضاً من مياه الجنوب اللبناني.
وأحسب أنَّ إسرائيل تتذكَّر في استمرار الوصية المائية لرئيس وزرائها
الأوَّل والمؤسس لدولتها، أي بن غوريون، والتي قال فيها بلهجة الآسِف إنَّ
الجزء الأكبر من مياه نهر الليطاني اللبناني (اللبناني في منبعه ومجراه
ومصبه) يذهب هدراً إلى البحر المتوسط، “فَلِمَ لا يصب الجزء الأكبر من
مياهه في الأراضي الإسرائيلية؟!”!

حتى “قناة البحرين”، بصورتيها، أي القناة التي تصل البحر الميت بالشطر
الإسرائيلي من البحر المتوسط، أو القناة التي تصل البحر نفسه بالبحر
الحمر، لا يمكن فهمها إلاَّ على أنَّها محاولة إسرائيلية خبيثة لتهويد كل
مياه نهر الأردن.

من قبل، والآن، اغتصبت، وتغتصب، إسرائيل جزءاً كبيراً من مياه نهر
الأردن، من خلال تمريرها هذا الجزء بقناة في داخل أراضيها؛ أمَّا غداً
فتريد تحويل مجرى النهر، عند نقطة مصبه في البحر الميِّت، غرباً، أي في
اتِّجاه الداخل الإسرائيلي. ولمَّا كان منع مياه نهر الأردن من أن تصب في
البحر الميِّت يتسبَّب حتماً بـ “دفن” هذا البحر “الميِّت”، ظهرت إلى
حيِّز الوجود (السياسي) فكرة “قناة البحرين”، التي تأتي للبحر الميِّت
بالمياه (المالحة) من البحر المتوسط، أو البحر الأحمر، فيصبح في مقدور
إسرائيل، عندئذٍ، منع المياه الحلوة العذبة لنهر الأردن من أن تذهب
“هدراً” في “بحيرة لوط”.

ولا ريب في أنَّ “المياه (العذبة الحلوة)” كانت كامنة دائماً في أساس
السعي الإسرائيلي لإنشاء وتطوير “التحالف الإستراتيجي” مع تركيا الغنية
بهذه المياه.

النيل، الذي لا ريب في أهميته الوجودية لمصر، ينبع معظمه من أراضي دولة
(أثيوبيا) تشبه إسرائيل لجهة قوَّة عدائها للوجود القومي العربي؛ ومنابع
نهر الأردن في جبل الشيخ (جبل حرمون) غدت بعد، وبفضل، حرب 1967 في القبضة
الإسرائيلية؛ أمَّا نهرا دجلة والفرات، اللذان لا ريب في أهميتهما
الإستراتيجية لسورية والعراق فينبعان من أراضي تركيا، التي، بإقامتها سد
أتاتورك، وبتنفيذها “مشروع الغاب” في جنوبها الشرقي حيث يتركز الوجود
الكردي، منعت قسماً كبيراً من المياه الحلوة العذبة من الوصول إلى الأراضي
السورية والعراقية.

وكان الهدف الضمني، غير المعلن، والذي لا موجب للاعتقاد بتخليها عنه،
هو شق الطريق إلى جعل فكرة “أنبوب السلام (المائي)” حقيقة واقعة، فتركيا
تريد نقل المياه الحلوة العذبة من أنهارها (نهرا سيحون وجيحون) عبر أنبوب
يمر بالأراضي السورية، وتتفرَّع منه أنابيب تنقل تلك المياه إلى الأردن
وإسرائيل، ودول الخليج العربية العطشى إلى هذه المياه.

إنَّه أنبوب ينقل المياه للشرب فحسب، ويعود على أنقرة بالقطع النادر،
ويشجِّعها على المضي قُدُما في احتجاز المياه بسدودها من أجل التنمية
الزراعية، وتوليد الطاقة الكهربائية، ولو كانت العاقبة هي منع الجزء
الأكبر من مياه دجلة والفرات من الجريان في الأراضي السورية والعراقية.

إسرائيل، التي لها مصلحة كبرى في منع السيادة السورية من العودة إلى
الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية، التي هي خزَّان المياه الأكبر لديها، وفي منع
دمشق، بالتالي، من الحصول على حصَّة من مياه طبرية، وقفت إلى جانب تركيا
في سعيها إلى إقامة هذا الأنبوب.

ولمَّا كان العراق عراق (أي شاطئ) أمن وأمان للعرب، توفَّرت بغداد على
الإعداد لمشروعٍ للإفادة القصوى من مياه دجلة والفرات، فالنهران اللذان
يلتقيان (في الأراضي العراقية) قبل أن يصبَّا (أي قبل أن تذهب مياههما
هدراً) في الخليج يمكن أن تُنْقَل مياههما عبر أنبوب، أو قناة، إلى الداخل
العراقي، وإلى دول الخليج العطشى إلى المياه الحلوة العذبة، فإذا حاولت
تركيا احتجاز مزيد من مياههما في سد أتاتورك أحبط العراق القوي محاولتها،
فهذا السد يمكن أن يصبح عرضة لمخاطر عراقية (خطر ضربه بالصواريخ مثلاً)
بما يدرأ المخاطر التركية عن الأمن المائي العربي.

ولكن، هل حال العرب، وأمنهم القومي، مع “الذهب الأبيض”، أي الماء، أفضل من حالهم مع “الذهب الأسود”، أي النفط، ومع “الذهب الأصفر”؟!
نحن الأمَّة النفطية الأولى في العالم؛ ومنابع “الذهب الأسود” عندنا؛
أمَّا مجاريه ومصابِّه فليست في اقتصادنا، وإنَّما في اقتصاد غيرنا،
وبعضهم، وأهمهم، مِمَّن هُمْ لنا خصم مبين.

المنابع عندنا؛ ولكنَّنا لا نَعْرِف من التملُّك لما يتدفق منها، أي
“الذهب الأسود”، إلاَّ ما يجعلنا كمثل مالِك أرضٍ زراعية خصبة، يفضِّل
بيعها هي على بيع ما يمكن أن يأتي به زرعها إذا ما زُرِعَت، فالنفط، الذي
نملك منابعه، لا يَعْرِف فينا من القوى ما يسمح بجعله مُوَلِّدا
ومُنْتِجاً للثروة، وكأنَّه نهر الليطاني يذهب معظم مائه هدراً في البحر!

ليس بالكيمياء، وإنَّما بتجارةٍ هي دون تجارة قريش منزلةً ومكانةً،
نُحوِّل “الذهب الأسود” إلى “ذهب أصفر”؛ ولكنَّ حالنا مع “الذهب الأصفر”
لا تقلُّ سوءاً عن حالنا مع “الذهب الأسود”؛ لأنَّه ما أن يصل إلى أيادينا
حتى يتحوَّل إلى ما يشبه “ذهب أيلول”، الذي تغنَّت به فيروز، أي إلى
“أوراق شجرٍ خريفية متساقِطة”، نحسبها “ثروة نقدية”، وقوامها “الورقة
الخضراء (الضاربة إلى الصفرة)”.

غيرنا يُحوِّل “الورق”، أو ما يشبهه، إلى “ذهب أصفر”؛ أمَّا نحن فلا
مُضاهٍ لنا في تحويل “الذهب الأصفر” إلى تلالٍ من الأوراق؛ وقد كان ينبغي
لنا أن نستثمر بعضاً من تلك القناطير المُقَنْطَرة في بناء الأمن المائي
العربي.. في تحلية مياه البحر، وفي تنمية مواردنا من المياه الحلوة
العذبة، وفي تطوير الزراعة بما يقلِّل حجم ما تَسْتَهْلِك من تلك المياه،
وبما يجعل أمننا الغذائي بمنأى عمَّا يُحْدِق به الآن من مخاطر، فحُصَّة
ما نستورد من غذاء، ومن الحبوب على وجه الخصوص، تتسع وتَعْظُم، وكأنَّ لنا
مصلحة في أن نكون في تبعية غذائية إستراتيجية للقوى الغذائية العظمى
(إنتاجاً وتصديراً) والتي بعضها، وأهمها، له مصلحة حقيقية في هدم الوجود
القومي العربي ليبتني من حجارته “إسرائيل العظمى”.

أمَّا السودان الذي في مقدوره أن يُطْعِم العرب جميعاً فيجب أن يظل نسياً منسياً في “عقيدة الاستثمار العربية”!
عن “اضطِّرار”، نأمل ألاَّ تزول أسبابه عمَّا قريب، وإنْ ظهر في وقت
الشدائد والأزمات ولم يكن، بالتالي، وليد تفكير وتخطيط إستراتيجيين بعيدي
المدى، قرَّرت السعودية توجُّهاً استراتيجياً غذائياً جديداً، قوامه
استثمار أموالٍ سعودية (لشركات وأفراد) في زراعة “محاصيل إستراتيجية” في
الخارج، درءاً لمخاطر أزمة (أو تفاقم أزمة) الغذاء العالمية عن أمنها
الغذائي، الذي هو لأسباب موضوعية، ولبعضٍ من الأسباب الذاتية، لا يملك
إلاَّ قليلاً، وقليلاً جدَّاً، من الجذور القومية.
إذا استوفى هذا التوجُّه السعودي الاستراتيجي الجديد، في قضية الأمن
الغذائي للسعودية، الشروط التي حدَّدتها الرياض، فقد نشهد، عمَّا قريب،
بداية زراعة لبعضٍ من الثروات المالية الطائلة للسعودية، والسعوديين، في
أراضٍ زراعية خصبة في السودان (ومصر، وفي تركيا وباكستان، وفي أوكرانيا).
وتريد السعودية أن تزرع (برؤوس أموالها) هناك القمح، والشعير، وفول
الصويا، والأرز ، والسُكَّر؛ وأن تحصل، أيضاً، على علف الحيوانات، والزيت؛
وأن تَجْلِب، من ثمَّ، هذا الإنتاج إليها. ولعلَّ أهم تلك الشروط السعودية
هو “الأمن”، أي أمن استثماراتها هناك، والمساعدة اللوجستية التي يمكن أن
تقدِّمها حكومات تلك الدول (العربية والإسلامية والأجنبية) للمستثمرين
السعوديين واستثماراتهم.
إنَّنا مع التنويع في مواضع تلك الاستثمارات الزراعية الخليجية، والسعودية
منها على وجه الخصوص، على أن يحكم هذا التنويع توجُّهاً سياسياً
استراتيجياً، قوامه إرساء الأُسُس لقيام وتطوير سوق عربية مشترَكة،
تَتَّخِذ، في جانبها الزراعي والغذائي، من السودان مركزاً لها، فهذا البلد
العربي (الذي يعوزه الأمن والاستقرار) يملك من الشروط الموضوعية ما يسمح
له بأن يكون سلَّة غذاء العالم لا العالم العربي فحسب. إنَّ أرضه واسعة،
خصبة، غنية بالمياه، ومتنوِّعة في ظروفها وأحوالها المناخية؛ وهو يتوسَّط،
في موقعه الجغرافي، العالم العربي.
الاستثمارات تلك يجب ألاَّ تُوْزَن بميزان اقتصادي صرف، فـ “الميزان
السياسي ـ الاستراتيجي” لن يقلَّ أهمية، إنْ لم يَزِد، إذا ما كانت الغاية
هي التأسيس لسوق عربية مشترَكة؛ وهذا إنَّما يعني أن تُركَّز الاستثمارات
الخليجية، والسعودية منها على وجه الخصوص، في الحيِّز الاقتصادي العربي،
وبما يجعل “التكامل الاقتصادي العربي”، مع “الأمن الغذائي الذاتي العربي”،
حقيقة واقعة، فالبلدان العربية أوَّلاً، ثمَّ البلدان الأخرى كتركيا،
وباكستان، وأوكرانيا.
وللسعودية، على وجه الخصوص، تجربة يمكن ويجب أن تكون مفيدة لها، ولغيرها
من الدول العربية، لجهة إثبات وتأكيد “الطوباوية الاقتصادية” لمساعي
“الاكتفاء الذاتي اللا قومي”، والتي تُنْتِجها وتقودها سياسة، يُضخَّم
فيها “العامل الذاتي”، ويُقلَّل من شأن “العوامل الموضوعية”، فتتمخَّض عن
نتائج مخالفة ومضادة للهدف والتوقُّع.
لقد قرَّرت السعودية من قبل، وعلى الرغم من أنَّ ظروفها الزراعية
الموضوعية غير ملائمة، أن تُنْتِج من القمح ما يكفيها ذاتياً، فانتهت
تجربة ثماني سنوات من إنتاج هذا المحصول الاستراتيجي إلى استنزاف احتياطات
المياه الجوفية؛ وعليه، قرَّرت السعودية، أخيراً، إحلال الواردات من القمح
محل الإنتاج المحلي له.
وحتى ينجح السعي لتحقيق “أمن غذائي قومي عربي”، في مناخ أزمة ارتفاع أسعار
الغذاء عالمياً، لا بدَّ أوَّلاً، أو في الوقت نفسه، من التأسيس لـ “أمن
مائي قومي عربي”، فـ “الأمن الغذائي العربي” يحتاج إلى التوسُّع في
استثمار الأموال العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، في القطاع
الزراعي (في البلدان العربية ذات الأراضي الزراعية الخصبة). ولكنَّ
“الزراعة” هي “المسْتَهْلِك الأكبر” للمياه العذبة، التي يعاني العالم
العربي كثيراً من شُحِّها، على وجه العموم.
الأوروبيون ابتنوا أوَّلاً قلعتهم الاقتصادية (إذ طوَّروا السوق المشترَكة
إلى اتِّحاد أوروبي) ثمَّ دخلوا في “العولمة الاقتصادية”، وفي مواجهة واقع
“تحرير التجارة العالمية”، فنالوا من الأرباح ما يفوق كثيراً حجم ما
تكبَّدوه من خسائر؛ أمَّا نحن العرب فدخلنا تلك، وواجهنا هذا، ونحن عراة،
أي كما دخلنا كل حروبنا القومية، وكما واجهنا كل تحدِّيات الواقع.
اقتصادنا العربي، أي اقتصاد كل دولة من دوله، يشذُّ عن ناموس الجاذبية
الكونية فـ “القوة الطاردة المركزية” فيه تفوق أضعافاً مضاعفةً “القوة
الجاذبة نحو المركز”. إنَّ الاقتصاد والتعليم عندنا يتضافران على طرد
مزيدٍ من رؤوس أموالنا، وأدمغتنا، وأيدينا العاملة الماهرة إلى الخارج،
فها نحن، وبعد زمن طويل قضيناه في “تصدير” المواد الأولية إلى الرأسمالية
الصناعية الغربية، نتوسَّع في “التصدير”، فـ “نُصدِّر” إليها رؤوس
الأموال، والأدمغة، والأيدي العاملة الماهرة، ولا نستورد منها إلاَّ بما
يؤدِّي إلى مزيدٍ من المسخ لحياتنا الاقتصادية.

ذوو الخبرة والكفاءة والاختصاص من أبنائنا الذين أنفقوا كثيراً من
المال والجهد والوقت في سبيل أنْ يصعدوا سُلَّم التعليم الجامعي حتى درجته
العليا، وأنْ يجدوا، بالتالي، أمكنة لهم في سوق العمل، هم الآن، وبفضل
“خطط التنمية” التي تتوفَّر دولهم على إعدادها وتنفيذها، في عداد الجيش
الجرَّار للعاطلين عن العمل (17 مليون عربي عاطل عن العمل، أي 14 في المئة
من حجم القوى العاملة العربية، بحسب أرقام ونِسَب رسمية). هؤلاء إمَّا أن
يهجروا الوطن إلى “الوطن الثاني”، إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وإمَّا
أنْ يذهبوا إلى “مؤسَّسة الوظائف بلا أعمال”، أي إلى الدولة بأجهزتها
ومؤسساتها المختلفة، لينعموا براتب متأتٍ من “عمل” لا يمتُّ بصلة إلى
اختصاصهم اللعين.

وإذا كان للدولة عندنا، أي في عالمنا العربي، من وظيفة اقتصادية فإنَّ
هذه الوظيفة هي زيادة حجم الأيدي العاطلة عن العمل، وتنمية “البطالة
المُقَنَّعة” بما يخدم المصالح البيروقراطية لأجهزتها ومؤسَّساتها،
و”تطوير” البنية التحتية للاقتصاد، والبنية القانونية للاستثمار، بما
يؤدِّي إلى هروب وهجرة مزيد من رؤوس الأموال، والأدمغة، والأيدي العاملة
الماهرة، إلى الخارج، وإلى استقدام مزيدٍ من “الرقيق الأجنبي الأبيض” إلى
منازلنا ومزارعنا ومؤسَّساتنا..

وعلى ما تقوله الدول والحكومات العربية في بياناتها الرسمية الجماعية
والمشترَكة، ثَبُت لهم وتأكَّد أن لا خلاص للأمة بأسرها إلاَّ بالتأسيس
لسوق عربية قومية مشترَكة، تؤسِّس للبنية الاقتصادية التحتية لـ “الاتحاد
العربي”، إذا ما تواضعنا على اتِّخاذ “الاتحاد الأوربي” مثلاً أعلى لنا؛
ولكن كيف لهم أن يَخْرجوا من جلودهم، فهم نتاج مصالح لا تُنْتِج فيهم
إلاَّ مزيداً من الميل إلى إنتاج، وإعادة إنتاج، كل ما هو مضاد لتلك
“السوق”، ولهذا “الاتحاد”، وكأنَّ “الشعار” الذي يفتقر إلى قوى تصارع من
أجله يمكن أن يصبح حقيقة واقعة، فـ “البطالة” عندنا إنَّما هي جزء من
بطالة أوسع، فلدينا أيضاً عاطلون عن التفكير، وعن العمل السياسي والحزبي،
وعن المعارضة، وعن الإصلاح إذا ما كان ممكناً، وعن الرغبة في صعود الجبال،
يَنْظرون إلى أحوالهم فـ “يُعْجَبون”، فيَنْظُر غيرنا إلى ما يثير إعجابنا
فيستعجبون!
هناك، أي في أوروبا الغربية، تركوا “الفحم” و”الحديد” يقودهم حتى نجحوا
أخيراً في ابتناء قلعتهم الاقتصادية (والسياسية) الكبرى؛ وهنا، أي في
عالمنا العربي، يمكننا وينبغي لنا أن نترك “الغذاء” يقودنا، فـ “الجوع”
يتهدَّد أمننا القومي، وربَّ نافعة تأتي بها هذه الضارة، فهل نجرؤ على درء
المخاطر عن “رغيفنا”؟!
و”الأمن الطاقيِّ العربي”، وعلى الرغم من كوننا الأمَّة النفطية الأولى في
العالم، ليس بأفضل حال، فالغزارة في إنتاجه ما زالت متَّحِدة اتِّحاداً لا
انفصام فيه (حتى الآن) مع سوء التوزيع.
إنَّه حتى الآن يباع بـ “سعر سياسي” يقلُّ كثيراً عن “سعره الاقتصادي
الحقيقي”؛ ويباع بعملة أجنبية (الدولار) أصبح استجماعها استجماعاً لعوامل
وأسباب التدمير للقوَّة الشرائية للمال العربي، الذي ما أن يصبح في يدنا
اليمنى حتى يذهب إلى حيث يجب ألاَّ يذهب عَبْر يدنا اليسرى. إنَّ الجزء
الأكبر من هذا المال يبدَّد بما يعود بالنفع والفائدة على شركات السلاح في
الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وبما يؤسِّس لعلاقة
تضاد بين “السلاح” و”الأمن”، فكلَّما زاد سلاحنا قلَّ أمننا القومي!
كل ما يأتينا به بيع “الذهب الأسود” من قطع نادر، يُسْتَثْمَر؛ ولكن
بعيداً عن “اقتصادنا الحقيقي”، وضدَّه، وبما يزيد أمننا المائي والغذائي
ضعفاً، وبما يعود بمزيدٍ من الضرر على أمننا القومي الإستراتيجي، ففي
“صفقات السلاح” نهدر كثيراً من ثروتنا، ونهدر معها كثيراً من أمننا القومي
الإستراتيجي، فكلَّما تسلَّحنا أكثر، ضعفنا (عسكرياً) أكثر، وسعينا في طلب
مزيدٍ من الحماية الأجنبية، التي بعضها، وأهمها، من قوى دولية وإقليمية
تتربَّص بنا الشرور والدوائر!

في عصرٍ، تكثر فيه، وتتكاثر، “الأمم الفضائية”، التي تغزو الفضاء
بأقمارها الاصطناعية وصواريخها ومركباتها ورجالها..، نعيش، أي نطلب مزيداً
من الموت الحضاري والسياسي والاقتصادي والثقافي..، وكأنَّنا لا نفهم
المستقبل إلاَّ على أنَّه عودة إلى الماضي.. إلى الصحراء وطناً، وإلى
الخيام والمضارب بيوتاً ومنازل، وإلى القبيلة مجتمعاً ودولةً، وإلى
“الجِمال” نمط عيش وتفكير، وإلى “الكلام” صناعةً لا نجيد غيرها، وكأنَّ
“صعدة” هي صورتنا وهويتنا، نَصْعَد إليها وصولاً إلى الدرك الأسفل من
الضعف والوهن والهوان والمذلَّة، وكأنَّ العرب على فئتين اثنتين:
“حوثيِّون” و”غير حوثيين”، “يتفأرنون” في مواجهة الأُسود والنمور من
أعدائهم الحقيقيين، و”يستأسدون” و”يتنمَّرون” في مواجهة بعضهم بعضاً!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ليبرمان يقود من الحبشة “حرب المياه” ضدَّ مصر!
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عالم بلا حدود magex007 :: منتــــدى الــــزوار-
انتقل الى: